عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
170
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
كلامه ، فقال كبيرهم لصاحبه : ما هذا ؟ فقال له : هذا ساقته الأقدار . فجلست في زاوية من المسجد فلما كان وقت الصلاة اجتمعوا ، وأمّهم كبيرهم ثم تفرّق كل واحد منهم في زاوية من المسجد ، مقبلا عليّ بوجهه ، مشتغلا بحاله ، ولا يكلم أحد منهم صاحبه ، فلما صلّوا المغرب قام أحدهم إلى مخدع هناك ومكث كثيرا ، وأخرج طبقا وعليه طعام ووضعه بين أيديهم ، فأكلوا ثم صلّوا العشاء وانتصبوا يصلون إلى الصبح ، فأقمت عندهم سبعة أيام على هذا المنوال ، وما كلمني منهم أحد ، وكل واحد منهم يدخل ليلة في ذلك المخدع ويخرج منه طبقا ، فلما كان عشية اليوم الثامن قالوا : الليلة نوبتك في الطعام ، فقمت ودخلت المخدع فلم أر فيه شيئا ، فخفت منهم ، وانكسر قلبي ، وتضرّعت إلى اللّه تعالى ، وسألته بهم ألا يخجلني معهم ، فإذا طبق نازل عليّ من جو السماء فأخذته ووضعته بين أيديهم ، فقالوا : الحمد للّه الذي رزقنا أخا صالحا ، وقاموا إليّ واعتنقوني . واستيقظت في بعض الليالي وإذا أنا بريح شديدة الهبوب ، وسمعت بأمواج البحر اضطرابا عظيما ، فقلت : لا إله إلا اللّه ، فسكنت الريح وهدأ البحر ، فأتاني كبيرهم وقال : كان في البحر مراكب كثيرة للإفرنج يقصدون بها المسلمين ، وكانت قد أشرفت على الغرق فلما قلت : لا إله إلا اللّه ، سكنت الريح وهدأ البحر ، ونجت المراكب ، فلما أصبحنا أخذ أحدهم بيدي ومشينا حتى أتينا الساحل ، فرأيت السفينة التي جئت فيها بعينها ، فنزل فيها صاحبي وأمرني بالنزول معه ، فصارت بنا غير بعيد ، وإذا نحن في بر عبادان وغاب عني الرجل والسفينة فلم أرها ، فبقيت متحيرا في أمرهم ، متحسّرا على رؤيتهم ، فبينما أنا بعد سنين عند الشيخ أبي البركات بن صخر في جبل الهكار إذ رأيته قام مسرعا ، وإذا بصاحبي كبير القوم قد أقبل ، فتلقّاه الشيخ أبو البركات وعظّم شأنه ، ورأيته يتأدّب مع الشيخ أبي البركات تأدّبا عظيما ، وجلسا يتحدثان ، ثم قام فتبعته حتى انفرد فقبّلت يده وسألته الدعاء وبكيت فدعا لي ، ثم قال لي : يا أبا البركات عليك بالشيخ أبي البركات فببركته صرت إلى ما صرت ، وإني كلما وجدت في قلبي قسوة أتيت إليه فتزول قسوة قلبي برؤيته ، ثم غاب عني ، فدخلت على الشيخ أبي البركات وسألته عنه ، فقال : هو مقدم رجال الأوتاد ، أو قال : الأبدال ، وهو الآن في أقصى جزائر البحر المحيط .